محمد بن عبد الله ( ابن مالك )
126
شرح الكافية الشافية
--> - والثاني : أن الواو واو الحال ، والمضارع خبر مبتدأ مضمر ، والجملة الاسمية في محل نصب على الحال من مرفوع " نردّ " ، والتقدير : يا ليتنا نردّ غير مكذبين ، وكائنين من المؤمنين ، فيكون تمنى الرّدّ مقيدا بهاتين الحالين ، فيكون الفعلان أيضا داخلين في التمني . وقد استشكل الناس هذين الوجهين بأن التمني إنشاء ، والإنشاء لا يدخله الصدق ولا الكذب ، وإنما يدخلان في الإخبار ، وهذا قد دخله الكذب ؛ لقوله تعالى : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * . وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه : أحدها : ذكره الزمخشري ، قال : هذا تمن تضمن معنى العدة ، فجاز أن يدخله التكذيب ؛ كما يقول الرجل : ليت اللّه يرزقني مالا ، فأحسن إليك ، وأكافئك على صنيعك ، فهذا متمنّ في معنى الواعد ، فلو رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب ، وصح أن يقال له : كاذب ، كأنه قال : " إن رزقني اللّه مالا أحسنت إليك " . والثاني : أن قوله تعالى : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * ليس متعلّقا بالتمنى بل هو محض إخبار من اللّه تعالى بأن ديدنهم الكذب ، وهجّيراهم ذلك ، فلم يدخل الكذب في التمني . وهذان الجوابان واضحان ، وثانيهما أوضح . والثالث : أنا لا نسلم أن التمني لا يدخله الصدق ولا الكذب بل يدخلانه ، وعزى ذلك إلى عيسى بن عمر ، واحتج على ذلك بقول الشاعر : منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى * وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا قال : " وإذا جاز أن توصف المنى بكونها حقا جازت أن توصف بكونها باطلا وكذا " . وهذا الجواب ساقط جدا ، فإنّ الذي وصف بالحق إنما هو المنى ، والمنى : جمع منية ، والمنية : توصف بالصدق والكذب مجازا ؛ لأنها كأنها تعد النفس بوقوعها ، فيقال لما وقع منها : صادق ، ولما لم يقع منها : كاذب ، فالصدق والكذب إنما دخلا في المنية لا في التمني . والثالث : من الأوجه المتقدمة أن قوله : " ولا نكذّب . . . ونكون " خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة استئنافية لا تعلق لها بما قبلها ، وإنما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان على الجملة المشتملة على أداة التمني وما في حيّزها ، فليست داخلة في التمني أصلا ، وإنما أخبر اللّه تعالى عنهم أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم لا يكذبون بآيات ربهم ، وأنهم يكونون من المؤمنين . فتكون هذه الجملة وما عطف عليها في محل نصب للقول ، كأن التقدير : فقالوا : يا ليتنا نردّ ، وقالوا : نحن لا نكذّب ، ونكون من المؤمنين ، واختار سيبويه هذا الوجه ، وشبهه بقولهم : دعني ولا أعود ، أي : وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني ، أي : لا أعود على كلّ حال ، كذلك معنى الآية : أخبروا أنهم لا يكذّبون بآيات ربّهم ، وأنهم يكونون من المؤمنين على كل حال ، ردوا أو لم يردوا . وهذا الوجه وإن كان الناس قد ذكروه ورجّحوه ، واختاره سيبويه كما مرّ ، فإن بعضهم استشكل عليه إشكالا ؛ وهو أن الكذب لا يقع في الآخرة ، فكيف وصفوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم : " ولا نكذّب . . . ونكون " . وقد أجيب عنه بوجهين : أحدهما : أن قوله : " وإنّهم لكاذبون " استئناف لذمهم بالكذب ، وأن ذلك شأنهم كما تقدم ذلك آنفا . -